ابن كثير
46
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
انطلقوا بنا إلى أبي طالب فلنكلمه فيه فلينصفنا منه فليكف عن شتم آلهتنا وندعه وإلهه الذي يعبده فإنا نخاف أن يموت هذا الشيخ فيكون منا إليه شيء فتعيرنا به العرب يقولون تركوه حتى إذا مات عنه تناولوه فبعثوا رجلا منهم يقال له المطلب فاستأذن لهم علي بن أبي طالب فقال هؤلاء مشيخة قومك وسراتهم يستأذنون عليك قال أدخلهم فلما دخلوا عليه قالوا يا أبا طالب أنت كبيرنا وسيدنا فأنصفنا من ابن أخيك فمره فليكف عن شتم آلهتنا وندعه وإلهه ، قال فبعث إليه أبو طالب فلما دخل عليه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : يا ابن أخي هؤلاء مشيخة قومك وسراتهم وقد سألوك أن تكف عن شتم آلهتهم ويدعوك وإلهك قال صلى اللّه عليه وسلم : « يا عم أفلا أدعوهم إلى ما هو خير لهم » قال وإلام تدعوهم ؟ قال صلى اللّه عليه وسلم « أدعوهم أن يتكلموا بكلمة تدين لهم بها العرب ويملكون بها العجم » فقال أبو جهل لعنه اللّه من بين القوم ما هي وأبيك لنعطينكها وعشرا أمثالها قال صلى اللّه عليه وسلم : « تقولون لا إله إلا اللّه » فنفروا وقالوا سلنا غيرها قال صلى اللّه عليه وسلم : « لو جئتموني بالشمس حتى تضعوها في يدي ما سألتكم غيرها » فقاموا من عنده غضابا وقالوا واللّه لنشتمك وإلهك الذي أمرك بهذا وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هذا لَشَيْءٌ يُرادُ ورواه ابن أبي حاتم وابن جرير وزاد فلما خرجوا دعا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عمه إلى قوله لا إله إلا اللّه فأبى وقال بل على دين الأشياخ ونزلت إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ [ القصص : 56 ] . قال أبو جعفر بن جرير « 1 » حدثنا أبو كريب وابن وكيع قالا حدثنا أبو أسامة حدثنا الأعمش حدثنا عباد عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال : لما مرض أبو طالب دخل عليه رهط من قريش فيهم أبو جهل فقالوا : إن ابن أخيك يشتم آلهتنا ويفعل ويفعل ويقول ويقول ، فلو بعثت إليه فنهيته فبعث إليه فجاء النبي صلى اللّه عليه وسلم فدخل البيت وبينهم وبين أبي طالب قدر مجلس رجل قال فخشي أبو جهل لعنه اللّه إن جلس إلى جنب أبي طالب أن يكون أرق له عليه فوثب فجلس في ذلك المجلس ولم يجد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مجلسا قرب عمه فجلس عند الباب فقال له أبو طالب أي ابن أخي ما بال قومك يشكونك ويزعمون أنك تشتم آلهتهم وتقول وتقول ؟ قال وأكثروا عليه من القول وتكلم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال : « يا عم إني أريدهم على كلمة واحدة يقولونها تدين لهم بها العرب وتؤدي إليهم بها العجم الجزية » ففزعوا لكلمته ولقوله فقال القوم كلمة واحدة نعم وأبيك عشرا فقالوا وما هي ؟ وقال أبو طالب وأي كلمة هي يا ابن أخي ؟ قال صلى اللّه عليه وسلم « لا إله إلا اللّه » فقاموا فزعين ينفضون ثيابهم وهم يقولون : أَ جَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ قال ونزلت من هذا الموضع إلى قوله بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذابِ لفظ أبي كريب .
--> ( 1 ) تفسير الطبري 10 / 550 - 551 .